أحمد بن يحيى العمري
236
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
الدين ! أنت رجل فقير مهما حضر قنعت به ، شارك الكل وكل معهم . وحدّثني شيخنا نجم الدين موسى بن علي الكاتب المجوّد ، عرف بابن البصيص ، فيما يحكي عن أبيه قال : كان شخص من أبناء الأمراء عند أبي في المكتب ، يتعلم الخط ، فلما خرج من المكتب ، سمع الحديث ، وتفقّه ، وكان له ذكاء ، وعنده قابلية واستعداد ، فبرع ، ثم إنه جاء يوما إلى أبي إلى المكتب ليزوره ويوصيه بأخ له صغير ، كان قد أتى به إليه ليعلّمه ، فجلس إلى أبي ، وشرع يحدّثه ، فجرى ذكر الشيخ الحريري ، فأخذ ذلك الشاب يقع فيه ويقول : رجل مبتدع صفته نعته ، وبالغ في ذكره بالسوء ، فما أتم كلامه إلا وقد أقبل الشيخ في خلق من أصحابه ، فوقف على المكتب ، ونظر إلى ذلك الشاب ثم قال له : دع كل شيء كنت فيه ، وخلّ هذا الفشار من رأسك ، وقم انزل . فقام الشاب إلى الشيخ ، وقبّل يده ، فطلب الشيخ مقصا ثم قصّ شعره ، وألبسه طاقية على رأسه ، وثوبا من ثياب الفقراء ، ثم مشى الشيخ ، فمشى الشاب معه ، ثم صحبه صحبة كانت إلى آخر العمر . ومنهم : 62 - عيسى بن أحمد بن إلياس بن أحمد اليونينيّ « 13 » جلا الرتب ومزّقها ، ومحا بصباح جبينه الأهلّة ومحقها ، صام الهواجر ، وقام الليالي الطوال مغرورق المحاجر ، وأنينه أنيسه ، وجلوسه منفردا جليسه ، فأنس بالله دون خلقه ، وجلس في كسر بيته لأداء حقه ، وعمل لجنّة يدوم نعيمها ، وتهبّ بحياة النفوس نسيمها ، وفرّ من النار فرار الآبق ، وقرّ به القرار ودمعه السابق .
--> ( 13 ) انظر ترجمته في : ذيل مرآة الزمان 1 / 24 - 33 ، والعبر 5 / 218 - 219 ، ومرآة الجنان 4 / 136 ، والسلوك ج 1 ق 2 / 401 ، والعسجد المسبوك 2 / 622 ، وتاريخ الإسلام 48 / 174 رقم 164 ، وشذرات الذهب 5 / 266 ، وتاريخ بعلبك 2 / 404 - 405 ، وسير أعلام النبلاء 23 / 299 - 300 ، وعيون التواريخ 20 / 100 - 101 .